فضل حسن عباس
107
قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية ( نقد مطاعن ، ورد شبهات )
ومن قبلها التي نزلت في آخر العهد المكي تتحدث كلها عن الخلق حديثا منظما مرتب الأجزاء متسقا مع العلم والتربية على السواء « 1 » . ففي سورة البقرة نقرأ قول اللّه : اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ . . . إلخ [ الآيات : 21 - 22 ] ، ونقرأ : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [ آية : 29 ] ، ونقرأ : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ البقرة : 164 ] . ولكن هنا قضية لا بد أن ننبه لها ، ولعل هذا هو الذي أوقع الموسوعة ومن أخذت عنهم في هذا الخطأ ، ونعني بها أن قضية الخلق لم تذكر لذاتها ، فخلق اللّه للعالم قضية فطرية لا ينازع فيها إلا أولئك الذين انحرفوا عن الجادّة ، وها هم العرب كما حدثنا القرآن في جاهليتهم يعترفون بهذه القضية البدهية : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ الزمر : 38 ] . وإنما كانت تذكر قضية الخلق وما يعقبها من نعم لإثبات التوحيد ، إثبات وحدانية اللّه تبارك وتعالى ، ولا شك أن الناس كانوا في العهد المكي أكثر حاجة إلى هذه منهم في العهد المدني ، ولا شك أن هذه الحاجة كانت ملحة ، كانت قضية الخلق إذن تذكر كما قلنا لإثبات الوحدانية ، وقد تذكر ثانية للاستدلال بها على أمر البعث ، فإن الذي خلق الخلق أول مرة لا يعجز أن يعيدهم مرة أخرى ، وهذه قضية قد ترسخت في النفوس في العهد المدني ، ولكن عالمية القرآن تجعله يذكر هذه المبادئ العامة كلما دعت لذلك حاجة . وعلى هذا الأساس فليست السور الأولى هي التي تحدثت عن خلق اللّه ونعمه على الإنسان ، وإنما هذه طبيعة القرآن من أوله إلى آخره ، وقد ذكرنا
--> ( 1 ) راجع بحثنا « دعوى التكرار في القرآن » .